العلامة المجلسي

138

بحار الأنوار

قال بعض المنسوبين إلى العلم : اعلم أن أظهر الموجودات وأجلاها هو الله عز وجل ، فكان هذا يقتضي أن يكون معرفته أول المعارف ، وأسبقها إلى الافهام وأسهلها على العقول ، ونرى الامر بالضد من ذلك ، فلابد من بيان السبب فيه . وإنما قلنا إن أظهر الموجودات وأجلاها هو الله ، لمعنى لا تفهمه إلا بمثال هو : أنا إذا رأينا إنسانا يكتب أو يخيط مثلا ، كان كونه حيا من أظهر الموجودات فحياته وعلمه وقدرته للخياطة أجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة والباطنة ، إذ صفاته الباطنة كشهوته وغضبه وخلقه وصحته ومرضه ، وكل ذلك لا نعرفه ، وصفاته الظاهرة لا نعرف بعضها ، وبعضها نشك فيه ، كمقدار طوله ، واختلاف لون بشرته وغير ذلك من صفاته . أما حياته وقدرته وإرادته وعلمه وكونه حيوانا فإنه جلي عندنا ، من غير أن يتعلق حس البصر بحياته وقدرته وإرادته فان هذه الصفات لا تحس بشئ من الحواس الخمس ، ثم لا يمكن أن يعرف حياته وقدرته وإرادته إلا بخياطته وحركته ، فلو نظرنا إلى كل ما في العلم سواء لم نعرف به صفاته ، فما عليه إلا دليل واحد ، وهو مع ذلك جلي واضح . ووجود الله وقدرته وعلمه وسائر صفاته يشهد له بالضرورة كل ما نشاهده وندركه بالحواس الظاهرة والباطنة من حجر ومدر ، ونبات وشجر ، وحيوان وسماء وأرض وكوكب ، وبر وبحر ، ونار وهواء ، وجوهر وعرض ، بل أول شاهد عليه أنفسنا ، وأجسامنا ، وأصنافنا ، وتقلب أحوالنا ، وتغير قلوبنا ، وجميع أطوارنا ، في حركاتنا وسكناتنا . وأظهر الأشياء في علمنا أنفسنا ، ثم محسوساتنا بالحواس الخمس ، ثم مدركاتنا بالبصيرة والعقل ، وكل واحد من هذه المدركات له مدرك واحد ، وشاهد ودليل واحد ، وجميع ما في العالم شواهد ناطقة ، وأدلة شاهدة ، بوجود خالقها ومدبرها ، ومصرفها ومحركها ، ودالة على علمه وقدرته ولطفه وحكمته . والموجودات المدركة لا حصر لها ، فإن كانت حياة الكاتب ظاهرة عندنا